قالت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إنه في كثير من الأحيان، وفي خضم الجدل الدائر حول "الأرض مقابل السلام"، يدّعي المعارضون أن مقايضة إسرائيل للأرض بالسلام لم تكن ناجحة تاريخيًا ولم تصمد أمام الزمن. ويرد المؤيدون بما يعتبرونه المثال المضاد القاطع، ألا وهو اتفاقيات كامب ديفيد لعام 1979، حيث تبادلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء مقابل سلام بارد مع مصر.

 

مع ذلك، أشارت إلى أن صفقة سيناء ليست "الخدعة" التي يعتقد دعاة السلام أنها كذلك، إذ رأت أنه لم تختفِ القيمة الاستراتيجية لسيناء عندما انسحبت إسرائيل.

 

وأضافت: "على مدى العقود اللاحقة، أثبتت الأنشطة في المنطقة مرارًا وتكرارًا أهميتها، فقد نشطت جماعات جهادية تابعة لتنظيم داعش وغيرها في سيناء، حيث أطلقت صواريخ ونفذت هجمات ضد إسرائيل. ولكن الأهم من ذلك كله كان دور سيناء كممر لتهريب الأسلحة".

 

سيطرة إسرائيل على ممر فيلادلفيا

 

وحتى عام 2005، سيطرت إسرائيل على ممر فيلادلفيا، وهو الشريط الضيق الذي يفصل غزة عن مصر. 

 

وعلى الرغم من ذلك، قالت الصحيفة إنه تم حفر شبكات أنفاق واسعة تحت الحدود، حيث تُظهر معاهد سياسات مرموقة، ومؤسسات إعلامية كبرى، وحتى جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك)، أن الأسلحة تدفقت لسنوات من إيران عبر السودان ومصر وسيناء قبل أن تصل في نهاية المطاف إلى حماس في غزة. ولعبت طرق التهريب هذه دورًا رئيسًا في تعزيز قوة حماس العسكرية، وساعدت في تسليح التنظيم الإرهابي الذي نفذ مجزرة 7 أكتوبر.

 

واعتبرت أن المشكلة لم تقتصر على غزة فحسب، "بل تم تهريب أسلحة من مصر إلى الأراضي الإسرائيلية، مما غذّى المنظمات الإجرامية والنشاط الإرهابي على حد سواء".

 

واستطردت الصحيفة قائلة: "بل وربما الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الإطار المنزوع السلاح الذي شكل أحد أسس معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل قد تآكل بشكل مطرد".

 

وفي السنوات الأخيرة - وبخاصة في الأشهر الأخيرة - وسعت مصر وجودها العسكري في سيناء بشكل كبير، بما في ذلك نشر قوات كبيرة ودبابات وتدريبات بالذخيرة الحية.

 

"المعاهدة آخذ في التلاشي"

 

مع ذلك، استبعدت الصحيفة أن يكون هذا مرتبطًا بهجوم مصري مفاجئ وشيك، لكنه يُسلط الضوء على نقطة بالغة الأهمية: وهي أن أحد الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها المعاهدة آخذ في التلاشي.

 

وأوضحت: "كان الطابع المنزوع السلاح لسيناء عنصرًا أساسيًا في جعل الاتفاق مقبولاً لدى إسرائيل في المقام الأول. وحتى لو كانت دوافع مصر الحالية مرتبطة بأمن النظام، أو النفوذ الإقليمي، أو مخاوف مكافحة الإرهاب، فإن هذه الدوافع قد لا تبقى ثابتة. فالحكومات تتغير، والمصالح تتغير، والأنظمة تتغير. وبينما قد لا يكون للقيادة المصرية الحالية أي مصلحة في الحرب مع إسرائيل، فإن العداء الشعبي تجاه إسرائيل داخل مصر لا يزال واسع الانتشار".

 

وتابعت الصحيفة في هذا السياق: "لا يمكن لإسرائيل أن تتجاهل هذه التطورات. فالترتيبات الأمنية لا تُجدي نفعًا إلا إذا استمرت. والسماح لها بالتآكل اليوم قد يخلق مشاكل أكبر بكثير غدًا".

 

مع كل هذا، مضت قائلة: "سيتساءل الكثيرون: ألم يكن الأمر يستحق كل هذا العناء مقابل سنوات السلام التي حصلنا عليها مع مصر؟"، موضحة: "لم تكن سيناء قط صحراء قاحلة كما تُصوَّر أحيانًا. فبتنازلها عنها، تخلت إسرائيل عن عمق استراتيجي، وحقول نفط لا تُقدَّر بثمن، وقواعد جوية مهمة، وبالطبع، طردت آلاف اليهود من مجتمعات مزدهرة مثل ياميت".

 

علاوة على ذلك، أكدت أنه يجب على المرء أن يتساءل عما إذا كان التخلي عن سيناء ضروريًا حقًا لتحقيق السلام في المقام الأول.

 

في نهاية حرب أكتوبر، عبرت القوات الإسرائيلية قناة السويس، وحاصرت الجيش المصري الثالث، وأقامت مواقعها في عمق الأراضي المصرية، وتقدمت حتى أصبحت على مرمى نيران القاهرة، "لم تكن مصر تتفاوض من موقع قوة، بل إسرائيل"، وفق قولها.

 

لكن تحت ضغط دولي مكثف، انسحبت إسرائيل في نهاية المطاف من هذه المواقف دون أن تضمن السلام مع مصر أولاً.

 

لماذا لم يكن هذا الانسحاب مشروطًا بالسلام؟

 

وعلقت الصحيفة: إذا كانت مصر تريد من إسرائيل الانسحاب من مكاسبها التي حققتها بعد الحرب، فلماذا لم يكن هذا الانسحاب مشروطًا بالسلام؟ بدلاً من استخدام أقوى نفوذها لتأمين اتفاق رسمي، تخلت إسرائيل عن تلك المواقف، وبعد سنوات فقط، في كامب ديفيد، تفاوضت على معاهدة سلام تطلبت التنازل عن شبه جزيرة سيناء بأكملها.

 

وأردفت: "ربما لم تكن مصر لتقبل بمثل هذا الشرط أبدًا. وربما كانت ستفعل. لا يمكننا الجزم بذلك. ما نعرفه هو أن إسرائيل كانت تمتلك نفوذًا هائلًا عام 1973، لكنها اختارت عدم استخدامه لتأمين الشيء الوحيد الذي ستضحي بسيناء لاحقًا للحصول عليه".

 

واعتبرت أن "الادعاء الشائع بأن الاستسلام في سيناء كان السبيل الوحيد للسلام ليس حقيقة، بل هو مجرد افتراض. وللافتراضات عواقب".

 

وأصبحت اتفاقية سيناء نموذجًا للتنازلات الإقليمية اللاحقة، ومهدت الطريق لاتفاقية أوسلو، ثم للانسحاب من غزة. وقد رُوِّجت هذه السياسات على أساس مماثل، وهو أن التنازل عن الأراضي سيقلل من الصراع ويعزز الأمن، وفق الصحيفة.


مع ذلك، وعلى الرغم من فشل اتفاقيتي أوسلو وغزة، لا تزال سيناء تُعتبر دليلاً على أن التنازلات الإقليمية يمكن أن تنجح، بحسب تقييمها.

 

وأشار مؤيدو التنازلات الإقليمية إلى سيناء كأقوى مثال لديهم. ومع ذلك، فإن تاريخ شبه الجزيرة منذ عام 1979 يروي قصة أكثر تعقيدًا بكثير، قصة تتضمن حركات تمرد جهادية، وتهريب أسلحة، وتآكلاً تدريجيًا لعملية نزع السلاح، وتحديات استراتيجية لا تزال قائمة حتى يومنا هذا.

 

ومع ذلك، فإن الضغط على إسرائيل للتنازل عن أراضٍ استراتيجية لم يتراجع، بل ازداد حدة.

 

عقوبات على سموتريتش

 

وقبل أيام قليلة، أعلنت ست دول فرض عقوبات على بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، بما في ذلك قيود على دخوله أراضيها. ودافع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن هذه الخطوة، متهمًا سموتريتش بـ"الترويج الفعال لضم الضفة الغربية".

 

وعلقت الصحيفة، قائلة: "بعيدًا عن الاعتقاد الخاطئ بأن الدولة يمكنها بطريقة ما ضم أراضيها الخاصة، فإن تصريحات باروت تعكس عقلية أوسع".

 

ورأت أنه لا تزال إسرائيل تواجه ضغوطًا دولية هائلة لإضعاف سيادتها، والتخلي عن أصولها الاستراتيجية، والتخلي عن مصالحها الأمنية الملموسة مقابل وعود بالسلام في المستقبل.

 

وقالت إن "ما حدث لسموتريتش ليس سوى أحدث مثال على ذلك"، ورأت أنه "في مثل هذا الوقت، يجدر بنا إعادة النظر في المثال الأكثر شيوعًا الذي يتم الاستشهاد به لصالح التنازلات الإقليمية، لأن حتى سيناء - جوهرة تاج حجة الأرض مقابل السلام - أكثر تعقيدًا بكثير مما يريدنا أنصارها أن نعتقد.

 

https://blogs.timesofisrael.com/did-the-sinai-deal-really-work/